مقالات
موسوعة نقوش المسند .. ذاكرة اليمن المكتوبة بالحجر

كتبت- أمنية حجاج
المسؤولية المجتمعية للقطاع الخاص ورجل الأعمال حسين الحثيلي
يملك اليمن واحدا من أغنى أرصدة النقوش القديمة في الجزيرة العربية، وهي ليست مجرد آثار صامتة، بل وثائق أصلية كتبها اليمنيون قبل آلاف السنين وسجلوا فيها أسماء الملوك، والقبائل، والمدن، والحروب والتجارة، والعبادات، والقوانين والحياة الاجتماعية.
وفي ظل التحديات الجسام التي تواجهها اليمن، أصبح تاريخه عرضة للاندثار، وبالتالي فإن هذه الموسوعة ليست مجرد صفحات توثق الماضي، بل محاولة جادة لحماية كنوز المعرفة والتاريخ اليمني من الضياع، من خلال إتاحة التراث اليمني أمام الباحثين والدارسين والجامعات ومراكز البحث، للإسهام في إعادة تعريف الهوية التاريخية والحضارية لليمن ضمن التراث الإنساني العالمي.
خط المسند أكثر من مجرد حروف منقوشة على الحجارة، بل سجل حافل تضمن رواية للممالك اليمنية القديمة سبأ، حضرموت، قتبان، معين وغيرها من الممالك اليمنية القديمة التي دونت صلوات، سير، إنجازات ملوكها العسكرية والعمرانية بخط المسند الذي يعد أحد الشواهد الأثرية الثقافية اليمنية القديمة المهمة، ويعكس مدى ما توصل إليه اليمنيون من معرفة وفهم وتطور في عصور ما قبل الإسلام.
موسوعة نقوش المسند … ذاكرة اليمن المكتوبة بالحجر
ولهذا الغرض فإن المعابد والقصور، احتفظت برواياتها عن مملكة سبأ وكنوزها، وعن حضرموت وتجارة البخور واللبان، وعن مملكتي قتبان ومعين التجاريتين، ما ساعد اليوم على تقديم رؤية بصرية خالدة لفهم اليمن القديم، وشاهد على إبداع اليمني الحضاري، لربط الحاضر بالماضي من خلال دراسته وتأمله ليظل رابطا وجدانيا عابر للزمن، ومصدر إلهام لأجيالنا القادمة، تستلهم منه العزيمة والإبداع والتحدي لرسم طريق أفضل للمستقبل.
ومن هنا يعد الخط المسند، أو خط المسند، أبرز الشواهد على حضارة اليمن القديم، فهو نظام كتابة أبجدي كان سائدا في جنوب الجزيرة العربية، ولم يكن المسند مجرد وسيلة لتدوين النصوص، بل رمزا للهوية الثقافية والسياسية للممالك اليمنية القديمة، ويحمل في طياته كنوزا من المعلومات حول التاريخ والمعتقدات والنظام الاجتماعي.
ومع الاتفاق بين الباحثين على أن أصل الخط المسند يعود إلى الألفية الأولى قبل الميلاد، حيث نتج عن تطور الكتابات السامية الجنوبية القديمة، فإن آراء الباحثين تعددت حول النشأة ويرجح أنه تطور في محيط مملكة سبأ ثم انتشر إلى الممالك الأخرى مثل حضرموت، وقتبان، ومعين، وأوسان. وتميز الخط المسند بكونه أبجديا بحتا، أي أنه يعتمد على تمثيل الأصوات بحروف منفصلة عددها 29 حرفا ثابتا، وتختلف أشكال الحروف قليلا بين الممالك المختلفة، ما يعكس التنوع الثقافي والسياسي لتلك الفترة.
وتنبع أهمية الخط المسند من دوره في توثيق تاريخ الممالك اليمنية القديمة، فقد تم العثور على آلاف النقوش المكتوبة بالمسند تتناول مواضيع متنوعة مثل القرارات الملكية، والقوانين، والأوامر الدينية، وأخبار الحروب، والمعاهدات، والإنجازات العمرانية، والحضارية.
وأيضا أسهم خط المسند في فهم الثقافة والمعتقدات وإبراز جوانب مختلفة من الثقافة اليمنية القديمة، مثل المعتقدات الدينية، الطقوس، والعادات، والتقاليد، كما نقلت لنا صورة عن النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لتلك الحقبة الهامة من تاريخ جنوب الجزيرة العربية. بل أكدت النقوش التي وجدت في مناطق خارج جنوب الجزيرة العربية إلى وجود علاقات تجارية وثقافية بين الممالك اليمنية القديمة والحضارات الأخرى في المنطقة.
من هنا تأتي أهمية «موسوعة نقوش المسند»، التي تسعى إلى جمع هذا التراث المبعثر وتنظيمه وتقديمه في مرجع عربي شامل يخدم الباحثين والجامعات والمهتمين بتاريخ اليمن القديم. فالمشروع لا يكتفي بعرض النقوش، بل يعمل على قراءتها وترجمتها وتصنيفها ووضعها في سياقها التاريخي واللغوي، ما يجعل الوصول إليها أكثر سهولة.
ومن المقرر أن تصدر الموسوعة مطلع العام المقبل عن دار عناوين للنشر في أربعة عشر مجلدا، في مشروع موسوعي كبير يعيد تقديم جانب واسع من الذاكرة اليمنية المكتوبة بخط المسند إلى الباحث والقارئ العربي والمهتمين بالتراث الإنساني.
وتزداد أهمية هذا العمل في ظل ما تعرض له التراث اليمني من إهمال وحروب وتهريب وفقدان لكثير من القطع والسياقات الأثرية، فتوثيق النقش اليوم هو في جانب منه حماية لذاكرة وطنية قد يصعب استعادتها غدا. ولإدراك أهمية هذا المشروع يحتفي اليمنيون في الـ21 من فبراير بيوم “خط المسند اليمني” باعتباره إرث حضاري يعبر عن روح الهوية اليمنية وجزءا لا يتجزأ من تراث البلد الثقافي والحضاري، وأمام هذا المشروع الوطني الإنساني،
وتحدد دار عناوين للنشر في منصتها الإلكترونية ثلاث رسائل من وراء إصدار هذه الموسوعة وهي حماية النقوش والآثار المهددة وتوثيقها رقميا لضمان بقائها للأجيال القادمة، إعادة إحياء التاريخ اليمني وإبراز دوره الحضاري عبر العصور، بينما تتمثل الرسالة الثالثة في دعم الباحثين والمؤرخين وتوفير مصدر موثوق وشامل للدراسات المستقبلية.
وتأكيدا لأهمية هذه الموسوعة، فقد قدم لها أ.د. إبراهيم محمد سعيد الصلوي أستاذ فقه اللغات السامية والنقوش العربية القديمة بكلية الآداب، جامعة صنعاء، والذي يعد من أبرز العلماء المعاصرين في دراسة النقوش اليمنية القديمة (المسند والزبور) ولهجات العربية الجنوبية القديمة وفك رموز اللغة اليمنية القديمة وتحليل بنيتها اللغوية، وربطها بتاريخ الجزيرة العربية وهويتها الثقافية. والباحث الصلوي حاصل على درجة الدكتوراه من ألمانيا عام 1987، عن أطروحة تناولت المفردات اليمنية المسندية الواردة في مؤلفات أبو الحسن الهمداني ونشوان الحميري، مع مقارنتها بنظائرها في اللغات السامية الأخرى، وقد نشرت هذه الدراسة باللغة الألمانية في برلين، لتشكل مرجعا علميا مهما في فقه اللغات السامية. ومن أبرز مجالات البحث التي تناولها الألفاظ اليمنية الخاصة في التراث العربي ومقارنتها باللغات السامية، الظواهر اللغوية في لهجات اليمن القديم من خلال النقوش والمصادر، تحليل النقوش السبئية والحميرية واستخراج دلالاتها اللغوية والدينية. كما شارك في تحقيق ودراسة النقوش المدونة على الأخشاب بخط الزبور ضمن لجنة دولية متخصصة. ومن أبرز مؤلفاته كتابه المرجعي الصادر عام 2023 عن دار عناوين للنشر بعنوان (قواعد لغة نقوش المسند والزبور)، وهو عمل موسوعي في نحو 576 صفحة، قدم فيه تحليلا علميا معمقا لقواعد خمس لهجات رئيسية من اللغة اليمنية القديمة: السبئية، المعينية، القتبانية، الحضرمية، والهرمية.
يشير الباحث الصلوي في مقدمته للموسوعة عن بدايات المشروع وطلبه من مهندس المشروع جمع أكبر عدد ممكن من نقوش المسند وكتابة مضامينها باللغة العربية الفصحى؛ لأن علماء النقوش (بيستون) و(ريكمنز) و(الغول) و(مولر) قد نشروا معجما لمفردات النقوش السبئية المنشورة حتى العام 1980م، ونشر (بيللا) معجما آخر لمفردات النقوش المنشورة حتى العام نفسه، ثم وضع (نيبز) وآخرون معجما الكترونيا مكملا للمعجم السبئي المنشور؛ لذا فلن تكون الفائدة من مشروع مفرداتك كبيرة مقارنة بالمعجمين السبئيين المذكورين من قبل. كون نشر مدونة مصغرة تشتمل على أكبر عدد من النقوش السبئية ومعانيها باللغة العربية الفصحى فستكون مرجعا للدارسين والباحثين في التاريخ والسياسة والاجتماع والأنثروبولوجيا والزراعة والري والتشريعات وللدراسات اللغوية المقارنة وغيرها في العالم العربي، وستكون المدونة عونا لطلبة قسم التاريخ وقسم الآثار في دراستهم للغة نقوش المسند.
والمعروف أن المستشرقين جمعوا النقوش التي تضم نقوش المسند المنشورة حتى عام صدور هذه المدونة. وقد دونت فيها النقوش بالخط العبري وخط المسند، ودونت معانيها وشرح ألفاظها باللغة الفرنسية، والمدونة (Semiticarum Par Quarta: Inscriptiones Himyariticus et Sabeas, Paris, 1889–1929) واختصارها (CIH). ثم صدرت مدونة أخرى هي (Repertoire d’epigraphie Semitique)، واختصارها (RES)، ثم نشرت مدونة ثالثة للمستشرق جيوفاني جاربيني ضمت النقوش المعينية، ونشرت بعدها مدونة رابعة واختصارها (CIAS).
وظهرت مؤخرا مدونة الكترونية لنقوش المسند أعدتها جامعة بيزا الإيطالية هي (DASI) بإشراف البروفيسور (Alessandra Avanzini)، فأصبح الدارسون الأجانب والعرب الذين تلقوا تعليمهم في أوروبا وأمريكا يستفيدون من هذه المدونات، أما الباحثون والطلاب العرب الآخرون فلم يستفيدوا منها؛ لذلك ظل إعداد مدونة لنقوش المسند باللغة العربية حلما يراود اختصاصيين يمنيين في علم النقوش.
واستشعرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الحاجة الماسة إلى مدونة لنقوش المسند باللغة العربية، فأوكلت إلى علماء النقوش د. محمد عبد القادر بافقيه ود. الفريد بيستون ود. كريستيان روبان ود. محمود الغول مهمة وضع كتاب بعنوان «مختارات من النقوش اليمنية القديمة»، نشر في تونس عام 1985م، يشتمل على (122) نقشا دون أن تكتب معانيها باللغة العربية الفصحى.
وظلت الحاجة ماسة إلى مدونة لنقوش المسند؛ لذلك اقترحت على المهندس محمد ثابت نشر أكبر مجموعة من نقوش المسند في كتاب واحد مع معانيها باللغة العربية الفصحى. فوافق المهندس على هذا المشروع، ووعدته أن أكون عونا له، إذا لمست لديه الحماس والمثابرة على العمل في المشروع، وغاب عني قرابة شهر، وعاد وقد جمع بضع مئات من النقوش السبئية مع معانيها باللغة العربية.
واتفقنا على أن نلتقي مرتين في الأسبوع لمساعدته في معاني ألفاظ أو عبارات أو نقوش استغلقت عليه. واستمرت اللقاءات بيننا أشهر والعمل يسير كما خطط له. وانقطع المهندس عن لقائنا، فظننت أنه قد كل من الاستمرار في المشروع. وبعد عام فاجأني بحضوره وإذا به قد جمع ثلاثة آلاف نقش سبئي مع معانيها باللغة العربية الفصحى. جددنا بعدها لقاءاتنا، وراجعنا معا كل ما كان قد جمعه من قبل، إلى أن انتهينا من إنجاز المشروع وقد بلغ عدد النقوش أربعة آلاف نقش.
وأؤكد جازما أن النقوش التي جمعها صحيحة، وأن معانيها باللغة العربية الفصحى مطابقة لمضامين النقوش. وبهذا العمل أكون قد أسهمت في وضع اللبنة الأساس في مدونة شاملة للنقوش جمعاء، وفي الوقت نفسه تحقيق جزء من الحلم الذي راود أساتذتنا الكبار: الأستاذ الدكتور يوسف محمد عبد الله، والدكتور محمد عبد القادر بافقيه، والأستاذ مطهر بن علي الإرياني – رحمهم الله – وهو إعداد مدونة تجمع نقوش المسند جمعاء باللغة العربية الفصحى.
وفي هذا السياق تحدث معد هذا المشروع المهندس محمد أحمد عبد الله ثابت عن كتاب موسوعة نقوش الـمسند المجموعة الأولى «النقوش السبئية»، الذي يتضمن نشر مضامين ما يزيد عن (4000) نقش باللغة العربية، وفترة تزيد عن ثلاثة عقود في إعداد هذا المشروع الإنساني الهام، والحرص على أن توثيق المراجع العربية التي تناولت هذه النقوش بالذكر أو الدراسة والتحليل، حتى يتمكن الباحث العربي واليمني من العودة إليها إذا ما أراد ذلك.
وفي المجمل وضمن الجهود الكبيرة التي بذلت ليرى هذا المشروع النور يأتي الدور الداعم لهذا المشروع الإنساني من قبل القطاع الخاص ممن أسهموا بدعمهم السخي في نشر الموسوعة والمساهمة الفاعلة في توزيعها بعد صدورها على عدد واسع من الجامعات والمراكز البحثية والمؤسسات الثقافية.
ويقدم رجل الأعمال حسين الحثيلي، رئيس مجلس إدارة مجموعة الحثيلي نموذجا للمسؤولية المجتمعية والثقافية، ومثالا حيوي على الدور الذي يمكن أن يقوم به رجال الأعمال والقطاع الخاص في دعم المعرفة وحفظ التراث الوطني والإنساني. إن المشروعات العلمية الكبرى كموسوعة نقوش المسند هي مشروعات استراتيجية لا تقاس قيمتها وأهميتها بالعائد التجاري المباشر أو الربح المادي السريع، بل بما تتركه للأجيال الحالية والقادمة من مصادر ومراجع، وما تحفظه للهوية من أصول وذاكرة حية. وبصفتها الراعي الرسمي لهذا المشروع، تستمر مجموعة الحثيلي ممثلة برئيس مجلس إدارتها حسين الحثيلي في الإسهام في المحافظة على التراث الإنساني وإظهار الصورة الحضارية لليمن وجنوب الجزيرة العربية.
إن قيام رجال الأعمال بدعم مثل هذه المبادرات العلمية يضمن إتاحة المعرفة التخصصية للطلاب والباحثين في الجامعات العربية والمؤسسات الفكرية، مما يعزز البحث الأكاديمي ويشجع على ظهور دراسات جديدة تعيد قراءة التاريخ بعيون أبنائه. الجدير بالذكر أن رجل الأعمال حسين الحثيلي حريص على الإسهام المجتمعي الفعال في دعم ورعاية الجوانب الثقافية والأدبية وله مبادرات إنسانية وثقافية ومجتمعية تؤكد أن رأس المال الحقيقي في الإرث الذي يتركه للأجيال القادمة.
وفي الأخير فإن (موسوعة نقوش المسند) ليست مجرد أربعة عشر مجلدا، بل محاولة لجمع صفحات متناثرة من تاريخ اليمن كتبها أبناؤه بأيديهم قبل آلاف السنين، وأعادها اليوم إلى القارئ والباحث في صورة أكثر وضوحا وتنظيما معد الموسوعة المهندس محمد أحمد ثابت، ودعمه في سبيل نجاح هذا المشروع عدد من الشخصيات الثقافية والأكاديمية، ضمن رسالة تهدف إلى حفظ التراث اليمني وتوثيقه.




