Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقال رئيس التحريرمقالاتمميز

التفاوض بدل التورط .. والردع بدل المغامرة !! 

بقلم/ دكتور محمود عزالدين

■ ليس في السياسة الخارجية المصرية اليوم ملف أكثر إحراجا وتعقيدا من اليمن والبحر الأحمر، فالقضية لم تعد مجرد حرب أهلية يمنية أو مواجهة بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليا، وإنما أصبحت تمس بصورة مباشرة واحدا من أهم شرايين الاقتصاد المصري، ألا وهي قناة السويس.

– خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت التقارير عن تمدد الحوثيين على الساحل اليمني للبحر الأحمر وسيطرتهم على مواقع وجزر استراتيجية بالقرب من باب المندب، فيما تحدثت مصادر عن إحكام قبضتهم على منطقة المضيق.. وفي المقابل، تؤكد تقارير أخرى أن الأمر يتعلق بقدرة متزايدة على تهديد حركة الملاحة أكثر من كونه سيطرة كاملة ومستقرة على كل حركة العبور.

لكن النتيجة في الحالتين واحدة بالنسبة لمصر، إذ أن الخطر لم يعد بعيدا عن مصالحها.

– قناة السويس دفعت بالفعل ثمن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر؛ إذ تراجعت أعداد السفن العابرة في إحدى مراحل الأزمة من نحو 70–80 سفينة يوميا إلى 30- 35 سفينة، كما أعلنت هيئة قناة السويس أن إيرادات القناة انخفضت بشدة خلال أزمة البحر الأحمر.

– وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:

هل تستخدم مصر القوة العسكرية لحماية مصالحها؟

الإجابة ليست بسيطة، فمصر دولة مطلة على البحر الأحمر، وقناة السويس جزء أساسي من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي، ومن الطبيعي أن تعتبر حرية الملاحة مصلحة مباشرة لها.. لكن تحويل هذه المصلحة إلى تدخل عسكري واسع داخل اليمن يحمل حسابات شديدة التعقيد.

– اليمن ليس ساحة سهلة، والحوثيون أثبتوا خلال سنوات قدرتهم على تحمل الضربات والعودة إلى المواجهة، والأهم أن دخول مصر في حرب مفتوحة قد يجعلها طرفا مباشرا في صراع إقليمي تتداخل فيه السعودية وإيران وقوى دولية متعددة.

فهل تحتاج مصر إلى حرب جديدة، أم إلى سياسة أكثر ذكاءً؟

السؤال هنا ليس عن قدرة الجيش المصري، وإنما عن جدوى الحرب ومداها ونهايتها.

– لذلك ربما تكون المصلحة المصرية في هذه اللحظة هي أن تتحرك في ثلاثة مسارات متوازية: حماية الملاحة، ودعم السعودية سياسيا وأمنيا، والدفع بقوة نحو تسوية سياسية يمنية لا تسمح بتحويل باب المندب إلى ورقة ابتزاز دولية.. وهذا يتفق مع الموقف المصري المعلن، الذي يركز على وحدة اليمن وسلامة أراضيه والحل السياسي الشامل، بينما أعلنت القاهرة أيضا رفضها عسكرة البحر الأحمر، أو تدويل ترتيبات أمنه على نحو يهمش دوله المشاطئة.

– أما السعودية، فمصر تستطيع مساعدتها بأكثر من إرسال قوات، من خلال الدعم السياسي والدبلوماسي، تبادل المعلومات، التنسيق البحري، العمل العربي المشترك، ودعم أي مسار تفاوضي جاد؛ وكلها أدوات يمكن أن تمنح الرياض مساحة أكبر للمواجهة، من دون أن تصبح القاهرة طرفا أصيلا في الحرب اليمنية.

🔴🔴

– لعل الأخطر من ذلك كله أن تتحول مصر إلى طرف في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين، بينما لم تنجح سنوات الحرب والضغوط العسكرية الإقليمية والدولية في إنتاج حل نهائي للصراع.

فما الذي يمكن أن تحققه القاهرة بالقوة وحدها؟ وما الذي يمكن أن تخسره إذا طال أمد الحرب؟

ثم هناك السؤال الأكثر حساسية:

هل تستطيع مصر أن تتحدث مع إيران؟

– الإجابة من حيث المبدأ: نعم، وهذا ليس تناقضا مع دعم السعودية، بل إن امتلاك القاهرة قنوات اتصال مع أطراف متعددة قد يكون أحد عناصر قوتها الدبلوماسية. مع الوضع بالاعتبار أن أمن قناة السويس واحتمال إغلاق باب المندب، يمثلان أحد دوافع القاهرة للانخراط في جهود الوساطة.

– لكن الوساطة المصرية المحتملة لا ينبغي أن تقوم على افتراض أن إيران تستطيع ببساطة إصدار أمر للحوثيين فينفذونه؛ فالعلاقة بين طهران والحوثيين معقدة، والحوثيون يمتلكون حساباتهم الخاصة، حتى مع الدعم الإيراني الواضح لهم.

– من هنا يمكن أن تكون الرسالة المصرية أكثر واقعية:

لا نريد حربا مصرية ـ حوثية، ولا نريد حربا سعودية ـ إيرانية عبر الأراضي اليمنية، ولا نريد أن يتحول باب المندب إلى سلاح ضد العالم أو قناة السويس إلى ضحية لصراع إقليمي.

– وهذا هو المجال الذي تستطيع فيه مصر أن تلعب دورا مهما: التفاوض بدل التورط، والردع بدل المغامرة، والتنسيق العربي بدل الحرب المنفردة.

🔴🔴

– إن مصر أمام معادلة شديدة الحساسية: باب المندب بعيد من الناحية الجغرافية.. لكنه قريب جدا من الأمن القومي المصري، والقضية ليست: هل تستطيع مصر أن تحارب؟ بل السؤال الأهم: هل تستطيع مصر أن تحقق أهدافها من دون أن تدخل الحرب؟

– هذا هو الاختبار الحقيقي للدبلوماسية المصرية.

فالحرب قد تكون أحيانا ضرورة، لكنها ليست دائما الحل الأكثر كلفة على الطرف الذي يبدأها فقط؛ فقد تكون كلفتها الأكبر في الحرب التي لا تعرف كيف تنتهي.. وفي اليمن تحديدا، ربما تكون الحكمة المصرية أن تعرف القاهرة متى تستخدم القوة، ومتى تستخدم السياسة، ومتى تجمع بين الردع والوساطة.

■ في تصوري أن الهدف النهائي ليس احتلال باب المندب ولا الدخول في حرب مع الحوثيين، وإنما الهدف أن يبقى البحر الأحمر مفتوحا، وقناة السويس آمنة، والسعودية محمية، واليمن موحدا، ومصر بعيدة عن فخ حرب جديدة.. طبعا هذه معادلة صعبة، لكنها، في تقديري، تستحق أن تكون عنوان المرحلة المقبلة.

قناة السويس
قناة السويس
قناة السويس
قناة السويس

□ رؤية تحليلية بقلم:

د.محمود عبد الكريم عزالدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى