فنون
المشغولات اليدوية تتحول إلى لغة جمالية في أعمال شيرين عبد الكريم

بقلم/ الدكتور محمود عزالدين
في أعمال فنانة المشغولات اليدوية السكندرية شيرين عبد الكريم، لا تبدو الخامة مجرد وسيلة لصناعة قطعة وظيفية، وإنما تتحول الخيوط والغرز إلى مفردات تشكيلية تحمل قدرا من الحس الجمالي والوعي بالتفاصيل.. وهي تجربة تستحق القراءة من زاوية تتجاوز فكرة «الهاندميد» بوصفه حرفة، إلى اعتباره مساحة إبداعية، تجمع بين الوظيفة والذوق والهوية البصرية.
– يأتي جراب المصحف في مقدمة الأعمال اللافتة؛ فقد اختارت الفنانة الأبيض والروز، وهما لونان هادئان يمنحان العمل رهافة وخصوصية تتناسبان مع طبيعة الاستخدام.. واعتمدت في بنائه على غرزة بارزة في جزء من التكوين، ثم انتقلت إلى غرز الأعمدة العادية، مستخدمة إبرة مقاس 4.
– اللافت هنا أن القيمة الجمالية لا تأتي من كثرة الألوان أو ازدحام الزخارف، وإنما من التباين بين الملمس والغرز، ومن توظيف الوردة المركزية بوصفها نقطة جذب بصرية. فالزهرة الوردية المحاطة بتفاصيل بيضاء تمنح الغلاف إيقاعا زخرفيا أقرب إلى التطريز التشكيلي، بينما تحافظ الخامة نفسها على طابع دافئ وحميم.
– أما طقم مستلزمات البيبي، المكون من بوكسات للشاور والمناديل وبعض الاحتياجات الشخصية، فيكشف عن جانب آخر من تجربة شيرين؛ حيث تتقدم الوظيفة إلى جانب الجمال دون أن تلغي أحدهما.. واستخدام خيط الكليم وإبرة مقاس 6 يمنح القطع حضورا أكثر تماسكا، وهو اختيار يبدو مناسبا لطبيعة الاستخدام اليومي.
وهنا تظهر قدرة الفنانة على التعامل مع المشغولة اليدوية باعتبارها منتجا جماليا قابلا للحياة داخل البيت، وليس مجرد قطعة للعرض.
– وفي السالوبيت الخاص بالبيبي، تبدو العناية بالخامة أكثر وضوحا؛ إذ استخدمت خيوطا من الصوف والقطن الناعم المناسبة لبشرة الطفل، مع خيط أكثر سمكا لتحقيق الدفء، واختارت تصميما على هيئة نجمة، مستخدمة إبرة مقاس 5.
وهذه التجربة تكشف أن شيرين لا تتعامل مع الخامة من منظور جمالي فقط، بل تضع طبيعة المستخدم واحتياجاته ضمن عملية التصميم، وهو ما يمنح العمل قيمة وظيفية وإنسانية في الوقت نفسه.
– وتكشف الحقيبة المصنوعة من خيوط الرافيا عن قدرة الفنانة على الانتقال إلى خامة ذات طبيعة مختلفة، أكثر خشونة وتماسكا، بما يسمح بإنتاج تشكيلات تناسب الاستخدام الخارجي وتمنح الحقيبة حضورا بصريا خاصا.
قراءة نقدية
● ما يميز تجربة شيرين عبد الكريم، في هذه النماذج، هو التنوع دون فقدان الهوية؛ فهي تنتقل من جراب المصحف إلى مستلزمات الطفل، ومن ملابس المواليد إلى الحقائب، لكنها تظل وفية لمنطق واحد: تحويل الخامة إلى مساحة تجمع بين المنفعة والجمال.
● وتبدو القيمة الحقيقية في أعمالها حين تتعامل مع الغرزة باعتبارها خطا وملمسا وإيقاعا، لا مجرد تقنية تنفيذ. فكل غرزة تترك أثرا بصريا، وكل خامة تفرض لغتها، وكل تصميم يحاول أن يجد توازنه بين ما هو عملي وما هو جميل.
● من هنا يمكن النظر إلى تجربة شيرين عبد الكريم باعتبارها نموذجا للمشغولة اليدوية المعاصرة التي لا تكتفي بصناعة الأشياء، بل تعيد اكتشاف جمال الأشياء البسيطة حين تمر عبر يد فنانة تمتلك الحس والمهارة والقدرة على تحويل الخيط إلى حكاية.










