■ كيف يتحول الادعاء إلى «مكانة».. ويصبح الظهور بديلا عن الكفاءة والإنجاز؟
بقلم/ الدكتور محمود عزالدين
(1)- هناك نوع من البشر لا يصنع مكانته بالعلم، ولا يفرض حضوره بالكفاءة، ولا ينتزع احترام الناس بعمل حقيقي.. وإنما يكتشف مبكرا أن الطريق الأقصر إلى الواجهة، هو أن يسبق الآخرين إلى المناسبة، ويبادر بالتقرب من القائمين عليها، ثم يبدأ في نسج حكاية كبيرة حول نفسه !!
(2)- هؤلاء لا ينتظرون أن يعرفهم الناس بما قدموا، بل يحرصون على أن يعرفهم الناس بما يدّعون أنهم قدموه.. يبنون مكانتهم بالكذب، ويسقونها بماء الادعاءات، ويرفعون بنيانها حجرا فوق حجر من المزاعم، حتى يصبح الوهم مع الوقت وكأنه حقيقة، ويصبح الادعاء سيرة ذاتية، وتتحول كثرة الظهور إلى شهادة كفاءة !!
(3)- الأكثر إيلاما أنك قد تلتقي أحد هؤلاء في فعالية أو مناسبة، فتشعر للحظة أنك في المكان الخطأ، لا لأن الرجل أعلم منك، ولا لأنه أفصح منك، ولا لأنه أكثر استحقاقا، وإنما لأن هناك من أعطاه مساحة أكبر من حجمه، ومنحه ثقة لا يستحقها، وربما وضعه في الصفوف الأولى قبل أن يسأل نفسه: ماذا قدم هذا الرجل أصلا؟
المشكلة إذن ليست دائما في «المزيف» وحده، وإنما في البيئة التي تسمح للزيف بأن يعيش وينمو ويتمدد.
(4)- عندما تغيب معايير الاختيار، يصبح الصوت الأعلى أهم من الفكرة، والعلاقات أهم من الإنجاز، والحضور المتكرر أهم من القيمة، والتقاط الصور أهم من العمل، والقدرة على صناعة الانطباع أهم من القدرة على صناعة الأثر.. و هنا يصبح المشهد مؤلما بحق.. غشاوة على أعين بعض المقيمين والمؤثرين وأصحاب القرار، تحول بينهم وبين التمييز بين الغث والسمين، وبين العالم والجاهل، وبين صاحب التجربة وصاحب الادعاء، وبين الحقيقة والسراب.
(5)- الأخطر أن أمثال هؤلاء لا يكتفون بانتزاع مساحة لا يستحقونها، بل قد يدفعون أصحاب الكفاءة الحقيقيين إلى الصفوف الخلفية، لأن صاحب الإنجاز غالبا لا يملك الوقت ولا الرغبة في تسويق نفسه كل دقيقة، بينما صاحب الادعاء يعمل من دون توقف في صناعة صورته !!
(6)- نلتقي كثيرا بالمزيفين والمدعين، لكننا نلتقي نادرا بمن يملك الشجاعة ليضع الأمور في نصابها، ويقول ببساطة: هذا حجمه الحقيقي.. وهذه قدراته.. وهذا ما قدمه فعلا.. فإلى متى يظل الادعاء أسرع من الإنجاز؟ وإلى متى تظل العلاقات الشخصية قادرة على صناعة نجوم من ورق؟ ومتى نضع معيارا بسيطا لا يحتاج إلى فلسفة: ماذا قدمت؟ وماذا تعرف؟ وماذا تستطيع أن تضيف؟
(7)- المشكلة ليست في أن يتقدم شخص إلى الصفوف الأولى، وإنما في أن يتقدم إليها على حساب من يستحقها.. ومتى توضع الأمور في أيدي أهلها، سيكتشف كثيرون أن بعض «النجوم» الذين ملأوا المشهد ضجيجا لم يكونوا أكثر من سراب جيد الإضاءة !!
(8)- هذه ليست حكاية الفن أو الإعلام أو الثقافة وحدها..
إنها حكاية مجتمع بأكمله.. عندما تتقدم الواجهة على الجوهر، والصورة على الحقيقة، والادعاء على الإنجاز.
■ ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن نخاف منه:
– متى يصبح معيار المكانة هو ما يقدمه الإنسان، لا ما يدعيه عن نفسه؟
💠💠💠💠
□ رؤية تحليلية بقلم:
د.محمود عبد الكريم عزالدين